الافتتاحية
المحامي الشاعر ريمون عازار
عرفتُ المحامي ريمون عازار، أديباً وكاتباً لبقاً، ومحامياً مرموقاً وشاعراً مطبوعاً ملهَماً.
لقيته أوّل مرّة في مجلس ناجي نعمان بجونيه فلمستُ منه النبل والفضل والتواضع، وهذه الصفات جعلته محبوباً ومحترماً لدى أقرانه ومحبّيه الكُثر. واتّخذوه مرشداً وموجّهاً ومعلّماً. فكان مثال المرشد والموجّه والمعلّم الظريف اللطيف. وكانت أعماله كلّها متّسمةً بطابع الجدّ ورافلةً بحلل الاستقامة والإصلاح. والذين عاشروه وجالسوه أدركوا عظَمة الرجولة الكامنة في نفسه، وتبيّنوا بعض ما حباهُ اللهُ من عبقرية تجتذب الجماهير، وتتلاعب بالمشاعر وتقبض بيد العلم والقانون، على ما يبتغي من توفيق، وما يصبو إليه من نجاح.
ويوم كرّمتني دار نعمان للثقافة بمنحي جائزة الأديب متري نعمان للدفاع عن اللغة العربية وتطويرها وطبعت لي مقتطفات من ديواني "حصاد السنين" كان الأديب الشاعر ريمون عازار حاضراً في هذا التكريم وهنّأني على كلمتي في التكريم. وتأصّلت أواصر المحبّة والصداقة بيننا. فزرته في مكتبه بأنطلياس واستقبلني بما فُطر عليه من لطف ومحبّة وشوق. وتحدّثنا عن الأدب العربي الأصيل وأهداني دواوينه الشعرية الأربعة وكتاب (ريمون عازار شاعر المجرّات الضوئية) للأديب الصديق الدكتور ميشال كعدي الذي صدر عام 2009 عن دار نعمان للثقافة. فعكفت على قراءة الكتاب والدواوين ولمست فيه الأديب الناثر الشاعر إضافةً إلى القانوني الكبير والمحامي اللامع. وسأتحدّث في مقالي هذا عن شاعرية ريمون عازار تاركاً الجوانب الأُخرى إلى ما بعد ذلك.
شِعر ريمون عازار فيه الأصالة والحداثة. وبعد أن قرأتُ شعره شعرت بحطِّ الطرف على الطرافة، وبالتجارب الشعرية، تتفاعل فيها الموضوعات الإنسانية، التي اتّخذت ألقاً يواكب كنه المعاناة على جرس ولغة صافية من الأردان والعيوب. في قوله وشعره جوانب شتّى، تبرزُ ذاته المستقلّة في الشعر العربي، هذا لا يعني أنّه لا يلتقي أحياناً مع بعض الشعراء الذين تشدُّهم النواحي الوجدانية.
عباراته وجهٌ من وجوه الجدَّة ونجاح التأليف، ومشاركة رائدة في الثورة الأدبية. ترسَّم شعرهُ مدارج الغنائية والأغوار الذاتية، وولجَ باب الحياة الأدبية، فكرَّم، وواسى، وتغزّل، وأخذ هموم الناس بتلميحات واضحة المعالم، وكان بارعاً بين أخدانه الشعراء وشاهداً واقعياً في التصنيف اللغوي والأوزان (). وعبر الجولة مع شاعرنا، نرى وجهاً آخَر، تتجدّد فيه تقاسيم الغزل، على وقع تجربة تسير على هدى الإدراك والإحساس الواقعي، والهيام، فالنشوة تتحدّث عن نفسها في قصيدة (نشوة) ():
|
لا تقولي بدَّد الدَّهرُ غرامي كلّما مرَّ على حبِّي زمانٌ وإذا ما لفتةٌ منكِ احتوتني أو سكبتُ الوجدَ خمراً في عروقي
|
|
أنتِ في الأعماقِ شوقي واضطرامي زادَ حبِّي وعلا فيَّ هيامي خِلتُ أنّ النُورَ يمشي في ظلامي جُنَّ عمري، وانتشتْ فيَّ عظامي
|
وقال في الذكرى الأُولى لغياب كرم ملحم كرم عام 1962 من ديوانه (بين المجرّة والسنابل، ص67):
|
قلْ لهذا الشرقِ: نحن العربُ أنقذَ الدهرُ بنا أمَّتهم واضمحلّتْ لغةٌ قدسيةٌ واستباحَ التُّركُ ما كان لنا ذاكرٌ يا دهرُ كمْ رُوَّادُنا توِّجِ اليومَ أميراً منهمُ منذ قرنٍ بشّرَ النُورُ بهِ كَرمٌ من كَرمٍ جاءَ، فما عالمٌ من أدبٍ، يحكي العُلى
|
|
كتبوا بالحقِّ أم لم يكتبوا لو توانينا لجلَّ الخَطبُ وامَّحتْ آثارُنا والنُّخبُ وانتشوا بالقولِ: ولَّى العربُ أثبتوا في الشَّرقِ أنَّا العصبُ يزدهي الغارُ به والرُّتبُ فتلاقتْ بالعناقِ الشُّهُبُ جادَه البحرُ الرحيبُ اللَّجبُ صحفيٌّ حبرُهُ يلتهبُ
|
ونظم في الذكرى الأُولى لغياب عاصي الرحباني قصيدة (شعب من الأحلام) من ديوانه (بين المجرّة والسنابل، ص51) نورد بعض أبياتها:
|
أنتمْ من الأرضِ، أم أنتمْ من النُّجمِ أنتم رحابنةٌ، شُمٌّ، على يدكُمْ وجال عاصي، فكان الحلمُ ملعبَهُ أعطاهُ ربُّهُ عوداً شاخَ في يدهِ ومجَّدَ الشعبَ، ما أغرتهُ أنظمةٌ فيروزُ غنَّتْ، تُرى بعد الغناءِ سوى لبنانُ صارَ على آهاتها وطناً
|
|
أم أنتمُ من سطوع الشّعر في الظُّلَمِ تفجَّرتْ سدمٌ في أفقِها الهَرِمِ وكان كالأرزةِ الخضراءِ في العَلَمِ فأكملَ الخَلْقَ بالألحانِ والكَلِمِ تبقى الشعوبُ، وتخبو ومضةُ النُّظُمِ دربٍ إلى اللهِ عبرَ النُّورِ والنِّعَمِ فوقَ الجَمالِ، وفوقَ الضوءِ والحُلُمِ
|
وقد كتب شاعرنا بخطّ يده كلمة (أؤمن بالشعر) في الصفحة 9 من كتاب الدكتور ميشال كعدي عن ريمون عازار (شاعر المجرّات الضوئية):
"أؤمن بأنّ الشعرَ هو رؤيا، وبأنّ الشاعرَ هو الرائي، وبأنّ القصيدة سَفَرٌ في آفاق الإشراق والأسرار والانخطاف، عبورٌ في مسافات نُورانية يتلاقى فيها الماضي والحاضر والمستقبل. وبقدر ما يُعطي الشاعر عن موهبة الكشف، والإبداع، ورهافة الحسِّ، وقوّة النفاذ من خلال المادّة التي ما خلف المادّة، ومن خلال العَرَض إلى الجوهرِ، بقدر ما تتجذّر تجربته، ويغوص في أعماق الكون والإنسان.. تكون رؤياه الشعرية أصيلة مدهشة، وترتفع قصائده كأعمدةٍ من نُور.
والشعر كالنبوءة، يستطيع أن يفجِّر في نفس الإنسان ذلك الفيض من الشعور العجيب، ويخطفُهُ إلى عالم الدَّهشةِ والرؤى. لأنّ الشعر هو أجنحة الإنسان. إنّه مرآة تنعكسُ فيها التجربة البشرية. الشعر ليس فقط الخيال أو العاطفة أو الأسطورة أو الدين أو التاريخ أو الفلسفة أو الفكر أو الثقافة بوجه عامّ، بل هو المزيج السرّي الذي يتكوّن من خلاصة هذه المظاهر النفسية والثقافية جميعها".
شاعرنا، إذاً، هو صاحب الكلمة الصادقة الهادفة. نظم الشعر بكلِّ ألوانه وأنواعه وتغنّى بالعباقرة من روّادنا الأوائل وكتب النثر في عدّة مناسبات واحتفالات ومحاضرات فكان يجيد بما كتب وما تلا. وعمل بوعي المؤمن بالكلمة لأنّها الرابط لكلِّ المفاصل. وكان شاعر الوجدان والغزل، وشاعر الوطن والأرض وشاعر المواقف والمنابر، وشاعر الأناشيد والقيم، فكان ناثراً مبدعاً، ومحامياً قديراً قلَّ مَن يجاريه في لبنان الحبيب. ورغم أنّه اهتمّ كمحامٍ بمهنته التي برع بها وأجاد، لم ينسَ الأدب من نثر وشعر فبارك له به لأنّه قمّة من قمم لبنان الأشمّ وجبل من جبالها الشامخة نحو العلاء.
وفي النهاية يسرّني أن أثبت نبذة موجزة من حياة شاعرنا العملاق تُظهر المحطّات الجميلة التي وقف عندها وأبدع من خلالها.
وُلد المحامي الشاعر ريمون عازار في بلدته عينطوره المتن، الواقعة في أعالي قمم المتن، والتي يحلو له أن يسمّيها "جارة الشمس".
انتقل من مدرسة القرية إلى مدرسة الحكمة في بيروت حيث أنهى دروسه المتوسّطة والثانوية. وعُرف بذكائه الحادّ واحتلّ المركز الأوّل في جميع الصفوف، على مدى السنوات السبع التي قضاها فيها، وحيث تولّى رئاسة الندوة الأدبية على ثلاث دورات متتالية.
وانتقل من مدرسة الحكمة إلى معهد الحقوق في جامعة القدِّيس يوسف، حيث أسّس الندوة الثقافية وتولّى رئاستها مدّة سنتين. وتخرّج في سنة 1958 حاملاً إجازتَي الحقوق الفرنسية واللبنانية، وهو يُعتبر اليوم في طليعة المحامين اللبنانيين.
انضمّ في أواخـر الخمسينيات من القرن الماضي إلى حلقة الثريّا التي تألّفت من عدد من الشعراء والأدباء البارزين، منهم الشاعران المغفور لهما جورج غانم وميشال نعمة، وإدمـون رزق وشوقي أبي شـقرا، ونُور سلمان. ولعبت هذه الحلقة دَوراً أدبياً مهمّاً في تلك الحقبة، وأصدرت مجلّة الثريّا التـي تولّى فيها المحامي الشاعر ريمون عازار مهمّة أمانة السرّ.
من مؤسّسي مجلس المتن الشمالي للثقافة، الذي ضمَّ كبار أدباء وشعراء ومفكّري قضاء المتن، وكان عضواً شبه دائم في هيئته الإدارية وتولّى مراراً مركزَي نائب الرئيس وأمانة السرّ.
عضو في نادي القلم الدولي، وفي مجمع الحكمة العلمي، ورئيس هيئة الأصدقاء في الحركة الثقافية - أنطلياس. شارك في عدد من المؤتمرات والندوات الثقافية.
عضو في اللجنة البطريركية للشؤون الطقسية، التي أعادت النظر في نصوص القدّاس الماروني وصحّحتها وجدّدتها. وتولّى بشكل خاصّ مع الحبيس الأب يوحنّا الخوند إعادة قراءة النصوص الشعرية وتصحيحها.
وكان عضواً في المجمع البطريركي الماروني الذي اختتم أعماله في سنة 2006.
ترأّس نادي ليونز المتن مرّتين، وجدّده بعد الركود الذي كان قد أصابه في أثناء الأحداث الأليمة.
له أربعة دواوين شعرية، منها "وطني الحبُّ والجراح" الصادر في سنة 1984 و"أجنحة الشمس" الصادر في سنة 1988، والديوانان الجديدان: "عبور إلى البهاء" "وبين المجرّة والسنابل"، صدرا في سنة 2009، ومجموعة نثرية من جزأين يضمّان ما كتبه من دراسات ومقالات نقدية وأدبية وفكرية، وهما معدّان للطبع.
كرّمته جمعيات ثقافية متعدّدة، آخِرها وأهمّها ندوة الإبداع في قصر الأونسكو في بيروت، والحركة الثقافية - أنطلياس.
أطلق عليه الدكتور ميشال كعدي، الفقيه في اللغة، لقب: شاعر المجرّات الضوئية، في كتاب ضخم عنه، صدر عن دار نعمان للثقافة - جونية، سنة 2009.
وهو يتابع اليوم نشاطه على الصعيدين المهني والثقافي.
المراجع:
1- دواوين الشاعر.
2- ريمون عازار شاعر المجرّات الضوئية - د. ميشال كعدي - دار نعمان للثقافة - 2009.
|