الافتتاحية
"اعرفوا الحق والحق يحرّركم"
منذ ألفَي عام، قال عظيم فلسطين، السيّد المسيح، هذا القول الرائع.
ما أحوج العالم بعامّة، والعالم العربي بخاصّة، والعالم في سورية تحديداً، إلى معرفة الحقِّ. وهل المعرفة إلاّ انعتاق الفكر بحرّية، من أجل لقاء الذات، ولقاء الآخَر، في ما يبني الاثنين معاً؟
كنت أفكّر في الواقع السوري الراهن، عندما وصلتني أمس تحديداً، مجلّة فرنسية، يصدرها في باريس كاهن فرنسي صديق، يُدعى "ميشيل جوندو" (Michel Jondot)، وهي تحمل اسماً فريداً، هو "البيت الإسلامي - المسيحي". وكان هذا العدد يضمُّ مجموعة من مقالات تسلّط الضوء على العلاقات الراهنة الإسلامية المسيحية، في الشرق والغرب. وكان آخِرها مقالاً وجيزاً لمحامٍ فرنسي يُدعى "موريس بوتان" (Maurice Buttin)، وهو من أبرز الناشطين في هذه المجلّة. وقد شاء أن يخاطب فيه "برنار هنري ليفي" (B. H. Lévy) الصهيوني. فرأيت أن أنقل ما كتب هذا المحامي، إلى العربية، عساه يحمل لبعض المكابرين من المثقّفين السوريين، ضوءاً جديداً، قد يهديهم إلى ما يساعدهم على الإسهام، بدَورهم، في إقلاع سورية نحو مستقبل يبثّ حياة جديدة فيها، وفي جسد الأُمّة العربية كلّها، المهدّد بالانحلال.
جاء في هذا المقال ما حرفيته:
"عزيزي برنار هنري ليفي، من المؤسف أنّ أحدنا لا يعرف الآخَر. أتيح لنا أن نلتقي للحظات فوق أنقاض مدينة "غوري" (Gori)، خلال حرب جورجيا. يومها مررتَ أنت كالبرق، وعلى عادتك: جلبت الانتباه ههنا، كما حدث لك في مناطق نزاع أُخرى، حيث قدمت. وأنا أُولي إعجاباً عميقاً للمثقّفين من حجمك الذين يبادرون إلى زيارة ساحات الحرب، ليسمعوا صوتهم.
إنّ سعيك لحِماية "إسرائيل" الذي دلّلتَ عليه بمقالك المنشور يوم 8/6/ في "هآرتس"، تحت عنوان "آن الأوان للكفّ عن شيطنة إسرائيل"، أفرح الكثيرين من الإسرائيليين، الذين كانوا يشعرون بحاجة ملحّة إلى مَن يقول بعض الخير عنهم، إذ بات ذلك نادراً في الزمن الحاضر. وأنا لن أعكّر عليهم متعتهم.
إلاّ أنّي، باسم ندائك لوضع حدّ للنفاق الإعلامي، أودّ أن ألفت انتباهك إلى معلومات قد تكون غابت عن ذاكرتك.
أنت ترى، كما يرى معظم الإسرائيليين، أنّه ليس هناك حصار حول غزّة، وأنّ الحديث عنه يتّسم بالنفاق الإعلامي. وفي الواقع، ما دمت قد كنت في "إسرائيل"، فلماذا لم تنتهز هذه الفرصة لتقفز إلى غزّة، كما فعل صديقك "ماريو فارغاس لوزا" (Mario Vargas Losa)، لترى بأُمّ العين ما إذا كان ثمّة حصار أم لا؟ وعندها، كان أطبّاء مشفى "الشفاء" في غزة، قد حدّثوك مثلاً عن مرضاهم الذين يموتون بسبب "اللاحصار". صحيح أنّ ما من أحد يموت جوعاً، ومع ذلك، فإنّ جمعية "جيشا (Gisha) من أجل حرّية الحركة"، الإسرائيلية، قد نشرت هذا الأسبوع تقريراً يبيّن أنّ "إسرائيل" سمحت باستيراد (97) مادّة إلى غزّة، مقابل (4000) كانت تدخل غزّة قبل الحصار. ألا تسمّي هذا حصاراً؟ وإنّ مجمّعاً إسرائيلياً كبيراً، يعرض ما بين (10000) و(15000) مادّة. وفي باريس، ما ينوف على هذا العدد. ومع ذلك، فلا يحقّ لغزّة سوى (97) مادّة!...
أنت تقول، كما لو كنت الناطق باسم الجيش الإسرائيلي: إنّ "إسرائيل" تسمح بدخول (100) إلى (125) شاحنـة، كلّ يوم، إلى غزّة. مئة شاحنة لمليون ونصف المليون من البشر: أوَليس في ذلك "حصار لا يرحم"، كما كتب "لوران جوفران" (Laurent Joffrin)، في صحيفة "الليبيراسيون"، الأمر الذي أثار احتجاجك؟ إنّ 80% من سكّان غزّة يعيشون من المساعدات الإنسانية، وإنّ 90% من معامل غـزّة قد أقفلت أبوابها، أو هي تعمل بإيقاع بطيء، أوَلسنا هنا حقّاً، يا برنار هنري ليفي، إزاء حصـار؟ أوَلا يُفترض أن يتوقّع الإنسان، من مثقّف كبير مثلك، من دون سواه، أن يدرك أنّ البشر، بمَن فيهم سكّان غزّة، يحتاجون إلى ما هو أكثر من الخبز والماء؟...
كتبتَ أنّ "إسرائيل" قد اتّهمت "حتّى الغثيان"، بمسؤوليتها عن هذا الحصار - وها أنت الآن تتحدّث عن الحصار! - الذي فرضته "إسرائيل" ومصر على السواء. هذا صحيح. وفي الواقع، فإنّ اشتراك مصر أمر فاضح ولا مسوّغ له...
إنّ احتلال غزّة لم يوضع له حدّ. إنّما هو رُفِع، خدمةً للمحتلّ. إلاّ أنّ "إسرائيل" لا تزال مسؤولة عن غزّة. فالعملة الرسمية فيها هي الشيكل، وسجلاّت الأحوال المدنية هي في يد "إسرائيل"، التي تراقب أيضاً جميع مداخل قطاع غزّة. فإنّ عشرات السنين من الاحتلال قد ألحقتها "بإسرائيل"، وهي لا تستطيع التخلّي عنها بمجرّد "فكّ ارتباط"...
كيف يسعك تجاهل هذا السياق؟ منذ ثلاثة وأربعين عاماً، ثمّة ملايين من الناس يواجهون حالة من الاحتلال واليأس. وما الفرص المتاحة لشابّ فلسطيني لإنجاز شيء في حياته؟ انظر صور سكّان غزّة، المتراصّين عند نقطة عبور رفح، ولاحظ تعابير وجوههم. يقيني أنّ مفهوم الحرّية ليس بغريب عليك. وأنت لا يسعك أن تعيب الاحتلال على إنسان آخَر سوانا نحن الإسرائيليين. ثمّة ذرائع كثيرة بشأن هذا الاحتلال، ولكنْ ما من ذريعة واحدة تستطيع أن تبدّل شيئاً من الواقع الحاسم: وهو أنّ "إسرائيل" سُلطة محتلّة. فههنا مصدر جميع الشرور. وهذا تحديداً ما أخفيته أنت. وإنّك لتتجاهله تجاهلاً تامّاً. لا يحقُّ لك أن تتجاهل الأمر الذي حوّل غزّة إلى منطقة لاجئين يائسين. من حقّك، يا برنار هنري، أن تؤكّد أنّ العالم يطالب "إسرائيل" بأكثر ممّا يطالب به الأنظمة الديكتاتورية. وهذا لا يعود، كما تقول، إلى "فوضى زمنية ما". إنّه زمن جديد (وعادل) يطالب فيه العالم "إسرائيل" بدفع ثمن سلوكها، بوصفها ديموقراطية. أتسمّي هذا الأمر شيطنة؟ ربّما، ولكنّ مكافحة هذه الشيطنة، تقتضي مكافحة الأخطاء بأمانة. فلولا حصار غزّة، ولولا الاحتلال، لما كان هناك مسوّغ لشيطنة "إسرائيل". وهل يستحيل عليك، يا مَنْ كنت في الماضي، صوت الضمير، أن تفهم ذلك؟".
- ماذا عساني أضيف؟ فقط هذا: مَن له عينان للقراءة... فليستنتج! ¡ |